فصل: تفسير الآيات (51- 54):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآيات (45- 50):

{وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (46) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (47) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)}
قوله تعالى: {وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ} قال قتادة: يعني {اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} أي من الوقائع فيمن كان قبلكم من الأمم {وَما خَلْفَكُمْ} من الآخرة. ابن عباس وابن جبير ومجاهد: {ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} ما مضى من الذنوب {وَما خَلْفَكُمْ} ما يأتي من الذنوب. الحسن: {ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} ما مضى من أجلكم {وَما خَلْفَكُمْ} ما بقي منه.
وقيل: {ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} من الدنيا، {وَما خَلْفَكُمْ} من عذاب الآخرة، قال سفيان.
وحكى عكس هذا القول الثعلبي عن ابن عباس. قال: {ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} من أمر الآخرة وما عملوا لها، {وَما خَلْفَكُمْ} من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها.
وقيل: {ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} ما ظهر لكم {وَما خَلْفَكُمْ} ما خفي عنكم. والجواب محذوف والتقدير إذا قيل لهم ذلك أعرضوا، دليله قول بعد: {وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ} فأكتفي بهذا عن ذلك. قوله تعالى: {وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} أي تصدقوا على الفقراء. قال الحسن: يعني اليهود أمروا بإطعام الفقراء.
وقيل: هم المشركون قال لهم فقراء أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أعطونا ما زعمتم من أموالكم أنها لله، وذلك قوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنعام نَصِيباً} [الأنعام: 136] فحرموهم وقالوا: لو شاء الله أطعمكم- استهزاء- فلا نطعمكم حتى ترجعوا إلى ديننا. قالوا {أَنُطْعِمُ} أي أنرزق {مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} كان بلغهم من قول المسلمين: أن الرازق هو الله. فقالوا هزءا أنرزق من لو يشاء الله أغناه. وعن ابن عباس: كان بمكة زنادقة، فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا والله أيفقره الله ونطعمه نحن. وكانوا يسمعون المؤمنين يعلقون أفعال الله تعالى بمشيئته فيقولون: لو شاء الله لأغنى فلانا، ولو شاء الله لأعز، ولو شاء الله لكان كذا. فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين، وبما كانوا يقولونه من تعليق الأمور بمشيئة الله تعالى.
وقيل: قالوا هذا تعلقا بقول المؤمنين لهم: {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} أي فإذا كان الله رزقنا فهو قادر على أن يرزقكم فلم تلتمسون الرزق منا؟. وكان هذا الاحتجاج باطلا، لأن الله تعالى إذا ملك عبدا مالا ثم أوجب عليه فيه حقا فكأنه انتزع ذلك القدر منه، فلا معنى للاعتراض. وقد صدقوا في قولهم: لو شاء الله أطعمهم ولكن كذبوا في الاحتجاج. ومثله قوله: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا} [الأنعام: 148]، وقوله: {قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ} [المنافقون: 1]. {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} قيل هو من قول الكفار للمؤمنين، أي في سؤال المال وفي اتباعكم محمدا. قال معناه مقاتل وغيره.
وقيل: هو من قول أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهم.
وقيل: من قول الله تعالى للكفار حين ردوا بهذا الجو أب.
وقيل: إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يطعم مساكين المسلمين فلقيه أبو جهل فقال: يا أبا بكر أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء؟ قال: نعم. قال: فما باله لم يطعمهم؟ قال: ابتلى قوما بالفقر، وقوما بالغنى، وأمر الفقراء بالصبر، وا مر الأغنياء بالإعطاء. فقال: والله يا أبا بكر ما أنت إلا في ضلال أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمهم ثم تطعمهم أنت؟ فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى} [الليل: 6- 5] الآيات.
وقيل: نزلت الآية في قوم من الزنادقة، وقد كان فيهم أقوام يتزندقون فلا يؤمنون بالصانع واستهزء وا بالمسلمين بهذا القول، ذكره القشيري والماوردي.
قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ} لما قيل لهم: {اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ} قالوا: {مَتى هذَا الْوَعْدُ} وكان هذا استهزاء منهم أيضا أي لا تحقيق لهذا الوعيد. قال الله تعالى: {ما يَنْظُرُونَ} أي ما ينتظرون {إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً} وهي نفخة إسرافيل {تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} أي يختصمون في أمور دنياهم فيموتون في مكانهم، وهذه نفخة الصعق. وفي {يَخِصِّمُونَ} خمس قراءات: قرأ أبو عمرو وابن كثير {وهم يختصمون} بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد. وكذا روى ورش عن نافع. فأما أصحاب القراءات وأصحاب نافع سوى ورش فرو وا عنه {يختصمون} بإسكان الخاء وتشديد الصاد على الجمع بين ساكنين. وقرأ عاصم والكسائي {وهم يختصمون} بإسكان الخاء وتخفيف الصاد من خصمه. وقرأ عاصم والكسائي {وهم يختصمون} بكسر الخاء وتشديد الصاد ومعناه يختصم بعضهم بعضا.
وقيل: تأخذهم وهم عند أنفسهم يختصمون في الحجة أنهم لا يبعثون. وقد روى ابن جبير عن أبى بكر عن عاصم وحماد عن عاصم كسر الياء والخاء والتشديد. قال النحاس: القراءة الولي أبينها والأصل فيها يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فنقلت حركتها الى الخاء- وفى حرف بى {وهم يختصمون}- وإسكان الخاء لا يجوز، لأنه جمع بين ساكنين وليس أحد هما حرف مد ولين.
وقيل: أسكنوا الخاء على أصلها، والمعنى يخصم بعضهم بعضا فحذف المضاف، وجاز أن يكون المعنى يخصمون مجادلهم عند أنفسهم فحذف المفعول، قال الثعلبي: وهى قراءة أبى بن كعب. قال النحاس: فأما {يَخِصِّمُونَ} فالأصل فيه أيضا يختصمون، فأدغمت التاء في الصاد ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين. وزعم الفراء أن هذه القراءة أجود وأكثر، فترك ما هو أولى من إلقاء حركة التاء على الخاء واجتلب لها حركة أخرى وجمع بين ياء وكسرة، وزعم أنه أجود وأكثر. وكيف يكون أكثر وبالفتح قراءة الخلق من أهل مكة واهل البصرة واهل المدينة! وما روى عن عاصم من كسر الياء والخاء فللإتباع. وقد مضى هذا في البقرة في {يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ}
وفى {يونس} في {يَهْدِي}.
وقال عكرمة في قوله جل وعز {إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً} قال: هي النفخة الأولى في الصور.
وقال أبو هريرة: ينفخ في الصور والناس في أسواقهم، فمن حالب لقحة، ومن ذارع ثوبا، ومن مار في حاجة.
وروى نعيم عن أبى هريرة قال قال رسول الله عليه وسلم: «تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فلا يطويانه حتى تقوم الساعة، والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم الساعة والرجل يخفض ميزانه فما يرفعه حتى تقوم الساعة، والرجل يرفع أكلته إلى فيه فما يتبلعها حتى تقوم الساعة».
وفي حديث عبد الله بن عمرو: «وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله- قال- فيصعق ويصعق الناس» الحديث. {فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً} أي لا يستطيع بعضهم أن يوصى تعضا لما في يده من حق.
وقيل: لا يستطيع أن يوصى بعضهم بعضا بالتوبة والإقلاع بل يموتون في أسواقهم ومواضعهم. {وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} إذا ماتوا.
وقيل: إن معنى {وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} لا يرجعون إليهم قولا.
وقال قتادة: {وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} أي إلى منازلهم، لأنهم قد أعجلوا عن ذلك.

.تفسير الآيات (51- 54):

{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)}
قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} هذه النفخة الثانية للنشأة. وقد بينا في سورة النمل أنهما نفختان لا ثلاث. وهذه الآية دالء على ذلك.
وروى المبارك بن فضالة عن الحسن قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «بين النفختين أربعون سنة الأولى يميت الله بها كل حي والأخرى يحيى الله بها كل ميت».
وقال قتادة: الصور جمع صورة، أي نفخ في الصور الأرواح. وصورة وصور مثل سورة، قال العجاج:
ورب ذى سرادق محجور ** سرت إليه في أعالي السور

وقد روى عن أبى هريرة أنه قرأ {ونفخ في الصور}. النحاس: والصحيح أن {الصور} بإسكان الواو. القرن، جاء بذلك التوقيف عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك معروف في كلام العرب. أنشد أهل اللغة:
نحن نطحناهم غداة الغورين ** بالضابحات في غبار النقعين

نطحا شديدا لا كنطح الصورين وقد مضى هذا في الأنعام مستوفى. {فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ} أي القبور. وقرى بالفاء {من الاجداف} ذكره الزمخشري. يقال جدث وجدف. واللغة الفصيحة الجدث بالثاء والجمع أجدث وأجداث، قال المتنخل الهذلي:
عرفت بأجدث فنعاف عرق ** علامات كتحبير النماط

واجتدث أي اتخذ جدثا. {إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} أي يخرجون، قاله ابن عباس وقتادة. ومنه قول امرى القيس:
فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي

ومنه قيل للولد نسل، لأنه يخرج من بطن أمه.
وقيل: يسرعون. والنسلان والعسلان الإسراع في السير، ومنه مشية الذئب، قال:
عسلان الذئب أمسى قاربا ** وبرد الليل عليه فنسل

يقال: عسل الذئب ونسل، يعسل وينسل، من باب ضرب يضرب. ويقال: ينسل بالضم أيضا. وهو الإسراع في المشي، فالمعنى يخرجون مسرعين. وفى التنزيل:
{ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ} [لقمان: 28]، وقال: {يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ} [القمر: 7]، وفي {سائل سائل} [المعارج: 1] {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} [المعارج: 43] أي يسرعون. وفى الخبر: شكونا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضعف فقال: {عليكم بالنسل} أي بالإسراع في المشي فإنه ينشط. قوله تعالى: {قالُوا يا وَيْلَنا} قال ابن الأنباري: {يا وَيْلَنا} وقف حسن ثم تبتدئ {مَنْ بَعَثَنا} وروي عن بعض القراء {يا ويلنا من بعثنا} بكسر من والثاء من البعث. روي ذلك عن علي رضي الله عنه، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على قوله: {يا وَيْلَنا} حتى يقول: {مِنْ مَرْقَدِنا}.
وفي قراءة أبي بن كعب {من هبنا} بالوصل {مِنْ مَرْقَدِنا} فهذا دليل على صحة مذهب العامة. قال المهدوي: قرأ ابن أبي ليلى: {قالوا يا ويلتنا} بزيادة تاء وهو تأنيث الوصل، ومثله: {يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ} [هود: 72]. وقرأ علي رضي الله عنه {يا ويلتا من بعثنا} ف {من} متعلقة بالويل أو حال من {وَيْلَتى} فتتعلق بمحذوف، كأنه قال: يا ويلتا كائنا من بعثنا، وكما يجوز أن يكون خبرا عنه كذلك يجوز أن يكون حالا منه. و{الرَّحْمنِ} من قوله: {مِنْ مَرْقَدِنا} متعلقة بنفس البعث. ثم قيل: كيف قالوا هذا وهم من المعذبين في قبورهم؟ فالجواب أن أبي بن كعب قال: ينامون نومة. وفى رواية فيقولون: يا ويلنا من أهبنا من مرقدنا. قال أبو بكر الأنباري: لا يحمل هذا الحديث على أن {أهبنا} من لفظ القرآن كما قال من طعن في القرآن، ولكنه تفسير {بَعَثَنا} أو معبر عن بعض معانيه. قال أبو بكر: وكذا حفظته {من هبنا} بغير ألف في أهبنا مع تسكين نون من. والصواب فيه على طريق اللغة {من أهبنا} بفتح النون على أن فتحة همزة أهب ألقيت على نون {من} وأسقطت الهمزة، كما قالت العرب: من أخبرك من أعلمك؟ وهم يريدون من أخبرك. ويقال: أهببت النائم فهب النائم. أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي:
وعاذلة هبت بليل تلومني ** ولم يعتمرني قبل ذاك عذول

وقال أبو صالح: إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية وبينهما أربعون سنة، فذلك قولهم: {من بعثنا من مرقدنا} وقال ابن عباس وقتادة.
وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وما فيها من أنواع العذاب صار ما عذبوا به في قبورهم إلى جنب عذابها كالنوم. قال مجاهد: فقال لهم المؤمنون {هذا ما وعد الرحمن}. قال قتادة: فقال لهم من هدى الله: {هذا ما وعد الرحمن}.
وقال الفراء: فقال لهم الملائكة: {هذا ما وعد الرحمن}. النحاس: وهذه الأقوال متفقة، لأن الملائكة من المؤمنين وممن هدى الله عز وجل. وعلى هذا يتأول قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 7] وكذا الحديث: «المؤمن عند الله خير من كل ما خلق». ويجوز أن تكون الملائكة وغيرهم من المؤمنين قالوا لهم: {هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ}.
وقيل: إن الكفار لما قال بعضهم لبعض: {مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا} صدقوا الرسل لما عاينوا ما أخبروهم به، ثم قالوا {هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} فكذبنا به، أقروا حين لم ينفعهم الإقرار. وكان حفص يقف على {مِنْ مَرْقَدِنا} ثم يبتدئ فيقول: {هذا}. قال أبو بكر بن الأنباري: {مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا} وقف حسن، ثم تبتدئ: {هذا ما وعد الرحمن} ويجوز أن تقف على {مرقدنا هذا} فتخفض هذا على الإتباع للمرقد، وتبتدئ: {ما وعد الرحمن} على معنى بعثكم ما وعد الرحمن، أي بعثكم وعد الرحمن. النحاس: التمام على {مِنْ مَرْقَدِنا} و{هذا} في موضع رفع بالابتداء وخبره {ما وَعَدَ الرَّحْمنُ}. ويجوز أن يكون في موضع خفض على النعت ل {مَرْقَدِنا} فيكون التمام {مِنْ مَرْقَدِنا هذا}. {ما وَعَدَ الرَّحْمنُ} في موضع رفع من ثلاث جهات. ذكر أبو إسحاق منها اثنتين قال: يكون بإضمار هذا. والجهة الثانية أن يكون بمعنى حق ما وعد الرحمن بعثكم. والجهة الثالثة أن يكون بمعنى ما وعد الرحمن. {إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً} يعني إن بعثهم وإحياءهم كان بصيحة واحدة وهي قول إسرافيل: أيتها العظام البالية، والأوصال المقتطعة والشعور المتمزقة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وهذا معنى قول الحق: {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} [ق: 42]. وقال: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ} [القمر: 8] على ما يأتي.
وفي قراءة ابن مسعود إن صح عنه {إن كانت إلا زقية واحدة} والزقية الصيحة، وقد تقدم هذا. {فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ} {فإذا هم} مبتدأ وخبره {جميع} نكرة، و{محضرون} من صفته. ومعنى {مُحْضَرُونَ} مجموعون أحضروا موقف الحساب، وهو كقوله: {وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ} [النحل: 77]. قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً} أي لا تنقص من ثواب عمل. {وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {مِمَّا} في محل نصب من وجهين: الأول أنه مفعول ثان لما لم يسم فاعله. والثاني بنزع حرف الصفة تقديره: إلا بما كنتم تعملون، أي تعملونه فحذف.